السبت، 12 سبتمبر 2020

الطابور


 قال نزار قباني: "من يوم أتيتُ إلى الدنيا - وأنا مزروعٌ في الطابور".

فماهو الطابور؟! 

الطابور اسم بمعنى الصف من كل شيء, فيقال وقف الطلاب في طابور الصباح, ,وأطلق على مجموعة الجند وجمعها طوابير , ومنه عرفنا الطابور الخامس وهو جماعة من الخونة تساعد العدو  وحديثاً اعتمدت المصارف الكثير من التسهيلات من خلال الأنترنيت لتجعل حياة الناس سهلة حَيْثُ لاَ يَحْتَاجُونَ إِلَى الطابور في البنوك  للقيام بالأعمال المصرفية 

ويوضح ماجد الدوحان باحث دكتوراه في الأنثروبولوجيا في جامعة هارفارد الأمريكية، أن "الطابور أحد المظاهر الكلاسيكية للبيروقراطية التي صاحبت نشوء الدولة الحديثة في أوروبا، خصوصا بعد هجرة الأرياف وزيادة عدد السكان في التجمعات الحضرية في المدن بعد الثورة الصناعية"

في المقابل يظل تحديد المخترع الأول للطابور محل خلاف بين البريطانيين والفرنسيين امتداداً لخلافاتهم التاريخية،(وليته كان مجالاً للتفاخر) 

وتعزو "برادلي "عبر تقرير لـ"بي بي سي" بعنوان، "الاصطفاف: هل هو حقًا الطريقة البريطانية"، سبب ارتباط بداياته بالمشقة لأنه كان حكراً على الفقراء المضطرين للوقوف في طابور للوصول إلى الصدقات والإحسان.

وسواء كان الدافع الشراء أو التسول، فإن الحاجة البشرية إلى التغلب على قانون الغاب، جعلت من الاصطفاف تنظيما ضروريا للأفراد في المدرسة والجامعة والشرطة والجيش والمستشفى والسوق والبنك والمطار والملعب والأفران و.................

و ذهب غازي القصيبي إلى أن  الطابور سمة أكثر خصوصية بالطبقات المغلوبة على أمرها، ألم ينشده شعراً الراحل نزار قباني: "من يوم أتيت إلى الدنيا - وأنا مزروع في الطابور".

نحن نعاني من ثقافة الالتزام بالطابور في كل مكان ,في الدوائرو في المخابز,وعند محطات البنزين وصرف الحوالات والمطاعم وعند صناديق الدفع في كل مكان , حتى عند محلات السناك وبيع الساندويتش, ناهيك عن تدافع سيارات الأجرة حيث الشوارع هي الميدان الأوسع للتجاوزات المستفزة و طوابير المستهلكين أمام المتاجر

صحيح أنّ الازدحام الكبير في الطوابير يستنفد الأعصاب ,لكن الوقوف بالدور يحقق المساواة بين جميع الأشخاص ,امرأة, رجل, كبير وصغير, غني وفقير,ويعتبر الالتزام بالدور من مظاهر الرقي والتمدن , والمساواة فليس هناك مَن يكره النظام , وفكرة الطابور, معيار اقتصادي وأخلاقي واجتماعي ولكن الطابور –أي طابور- كثيراً ما يتسبب بتعطيل مصالح الناس ووقتهم ,طالما هناك بعضٌ من موظفي الخدمة الذين يتوارون ,ويعهدون لموظف واحد على "الكاونتر:"بإنجاز معاملات الناس ,وبقية زملائه فارّين من مكاتبهم ومقاعدهم , يتناولون فطورهم , ويجرون اتصالاتهم و مسامراتهم ويتابعون ما جاء في جوالاتهم .....

ولا شك أنه الانعكاس المزري والأقبح للذين يتعامون عن طول الطابور أمامهم , ويتخطونه بلا أدنى مبالاة لعجوز واقف فيه أو سيدة, ويمضي قُدماً مدعوماً بالوساطة والمحسوبيةّ والرشاوى , وقد افترشتْ له السجاد الأحمر, فينحرون هذا ويشتمون هذا وقد يستخدمون الأسلحة للترهيب والتمظهر ويلفون من وراء الطابور  ولسان الحال يقول : (حكّلي بحكّلك)

وحديثاُ , أزمة جائحة كورونا هي الأخرى، فتحت باباً جديداً "طابور سادس" برأي متابعين للمشهد، وهم قائمة طويلة من المنتفعين من شركات أدوية حتى محتكري الكمامات والمعقمات.

ولا نملك أن نقول سوى: 

سامحك الله يانزار قباني ,ولعن الله من أوجد فكرة الطوابير .





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق